ابن تيمية

108

مجموعة الرسائل والمسائل

ولا تزال ، ثم القائلون بقدم الأصوات المعينة تنازعوا في المسموع من القارئ هل سمع منه الصوت القديم ؟ قيل المسموع هو الصوت القديم ، وقيل بل المسموع هو صوتان أحدهما القديم والآخر المحدث ، فما لا بد منه في وجود القرآن فهو القرآن وما زاد على ذلك فهو المحدث ، وتنازعوا في القرآن هل يقال أنه حال في المصحف والصدور أم لا ؟ يقال على قولين : فقيل هو ظاهر في المحدث ليس بحال فيه ، وقيل بل القرآن حال في الصدور والمصاحف . فهؤلاء الخلقية والحادثية والاتحادية والإقرائية أصل قولهم إن ما لا يسبق الحوادث فهو حادث مطلقاً ، ومن قال بهذا الأصل فإنه يلزم بعض هذه الأقوال أو ما يشبه ذلك ، فإنه إما أن يجعل كلام الله حادثاً أو قديماً ، وإذا كان حادثاً إما أن يكون حادثاً في غيره ، وإما أن يكون حادثاً في ذاته ، وإذا كان قديماً فإما أن يكون القديم المعني فقط أو اللفظ ، أو كلاهما ، فإذا كان القديم هو المعنى فقط لزم أن لا يكون الكلام المقروء كلام الله ثم الكلام في ذلك المعنى قد عرف . وأما قدم اللفظ فقط فهذا لم يقل به أحد لكن من الناس من يقول أن الكلام القديم هو اللفظ ، وأما معناه فليس هو داخل في مسمى الكلام ، فهذا يقول الكلام القديم هو اللفظ فقط : إما الحروف المؤلفة وإما الحروف والأصوات ، لكنه يقول إن معناه قديم . وأما الفريق الثاني الذين قالوا بجواز حوادث لا أول لها مطلقاً ، وإن القديم يجوز أن يعتقب عليه الحوادث مطلقاً وإن كان ممكناً لا واجباً بنفسه ، فهؤلاء هم القائلون بقدم العالم كما يقولون بقدم هذه الأفلاك ، وأنها لم تزل ولا تزال معلولة لعلة قديمة أزلية ، لكن المنتسبون إلى الملل كابن سينا ونحوه منهم قالوا أنها صادرة عن الواجب بنفسه الموجب لها بذاته . وأما أرسطو وأتباعه فإنهم قالوا أن لها علة غائية تتحرك للتشبه بها فهي تحركها كما يحرك المعشوق عاشقه ، ولم يثبتوا لها مبدعاً بذاته ، وإنما أثبت واجب الوجود بطريقة ابن سينا وأتباعه ، وحقيقة قول هؤلاء وجود الحوادث بلا محدث أصلاً ،